‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل

14‏/04‏/2011

ثمن الزمن الضائع




كانت سمية، فتاة على قدر كبير من الجمال، عبقرية الروح بديعة الجسد، تمردت على فقر أبيها

فارتمت في حضن أول رجل صادفته في طريقها، كان ثريا، يكبرها سنا وحالما فاز بها حمل

الحب الى جسدها الصغير واذرف عليها الهدايا الثمينة، فارتمت بين ذراعيه وصدقت وعوده.

اصبحت حياتها الجديدة حفلات ، وفساتين فاخرة وأقراط ثمينة وعطور وأحذية فارهة ورزمة

من المعجبين ، عاشا معا حياة سعيدة حافلة بالمتع والتمتع لأكثر من ستة أشهر وما أسرع

ما وجدت سمية نفسها جزء من طبقة اجتماعية مرموقة لطالما حلمت بها في اليقظة والأحلام،

فنسيت الفقر والحرمان وحصن العائلة الدافئ.

لم تعرف العاشقة عن حبيبها إلا ما كانت هي نفسها قد أضفته عليه من أوهامها اللذيذة ، الى أن

فاجئها بسفر غير مرتقب خارج الوطن لوحده، فحمل حقيبته تاركا وراءه أكثر ثيابه وعطره وبعض

أغراضه الشخصية... انتظرت سمية عودته طويلا الى أن بدأت تنفجر حياتها وهي تتأمل جثة حبها

المهشمة، فعجزت عن تحمل هول الصدمة ولم تعد تستطيع النوم ، فقتلته آلاف المرات في يقظتها

وأحلامها ، ضاعت عذريتها في غمرة نشوة زائفة وهي لم تتجاوز السابعة عشرة ربيعا ولم تبلغ

الثراء الذي كان منها بعيدا و ما يزال।

سعت الى النسيان عبر المتعة من كل سبيل واتخذت لنفسها العشيق تلو العشيق تؤنس لياليهم

وتبيع لهم اللذة فأصبحت تشترى وتباع حتى لقبت بسمية الزانية، آنذاك أدركت بأن البساط الأحمر

سحب من تحت قدميها ،وأنها جرت وراء سراب لن ترى بعده سوى الضباب والمستقبل المنشود

أصبح مجرد طريق مسدود لا أمل فيه، ووقفت وجها لوجه أمام استحالة الفوز بمستقبل سعيد

وأنها في لحظة طيش ضيعت من بين يديها كل شيء مثل قطرات ماء تساقطت من بين أصابع

طفل صغير।

تجربة قاسية اجتنت منها سمية ثمار فجة، فليس أمعن في الفشل من أن تكون الثمرة فجة خالية

من أي نكهة أو مذاق، تأتي بعد طول انتظار، إنها لأقسى صور الفشل وخيبة الأمل। شعرت

بالزمن الضائع وأدركت أن تلك المادة الثمينة بددتها دون أن تفطن الى أن ثمة أشياء في الحياة

لا يمكن أن تتكرر مرتين।


14‏/02‏/2011

لقاء.. ألفة و فراق


إلتحقت بغرفة نومها ثم إستوت على سريرها ربما تستمتع لبعض الوقت في تتمة كتابها

سيما والمكان هادئ من حركة عائلتها الصغيرة، وبعد ساعة وقفت متذبذة في معالجة

موضوع كتابها الزاخر بالفوائد المتفرقة في الحضارة العربية، رن هاتفها المحمول

فجعلها ترتجف كالبلبل المذبوح وبحركة كادت ان تفثت أعصابها ردت بصوت

مضطرب من المتصل؟... وبمجرد سماع صوته حسبت دقات قلبها وهربت منها

صرخة ألم صامتة من الأعماق الى الأعماق محشوة بكثير من الذكريات المرة ،

فما كان منها الا أن وافقت على اللقاء.

ألقت سمية بهاتفها جانبا بانتظار سلة دموع معلقة منذ عقدين ونصف أبت ان تستجيب،

فوضعت أفكارها التي تتسم بالعقلانية والمرونة في الموعد المرتقب، إستوت من جديد

ومهمهت بأن الهروب منه هذه المرة لن يفيذ بل لم يعد له معنى ولا مغزى فالمواجهة

هو الخيار الصائب ، ولان إنتكاستها النفسية أخذتها الى عالم أرحب وأكثر إخضرارا

يزخر بالهواء النقي الذي يحتاجه العقل والرئتين على السواء.

لم تعد تفصلها عن موعد اللقاء الا ساعات قضتها بين التفكير والصحو والغفو، الى أن

إستقرت في بؤرة القلق والخوف والتوثر مع إطلالة أولى خيوط ضوء الصباح، أجل

.الخوف... ذلك الشيطان الماكر المؤذي الذي يتسرب حيث تعجز المشاعر الجميلة أن

تستوطن... شيطان مارد يغزو الافئدة فيجعل بوصلة التفكير تزج بالفرد وسط نار يكتوي

بجمرها فيتحول الوضع الى أزمات مزمنة لا يملك القدرة على مواجهتها

عبثت في دولابها واختارت المناسب لذلك اليوم من الملابس ثم رفعت فنجان قهوتها

ورشفته في جرعة كبيرة، وإتجهت صوب سيارتها وبكل ما ملكت من قسوة أدارت

المفاتيح لتخضع المسكينة لرغبتها... زفرت نفسا عميقا عله يخفف عنها وطأة هم رابض

فيها مرغمة والمملوءة على صدرها منذ زمن وهي تتذكر تلك البقعة السوداء التي وضعها

بالاتجاهات المعاكسة، فتحت النافذة فعبث النسيم بشعرها الأشقر الطويل وكلما زادت

سرعة السيارة هربت بعص الشعيرات لتلاحقها أفكارها وتتقرر أن تحمل رأسها بهمومه

الى البعد البعيد.

ها هي في المكان الموعود ، رأته جالسا من بعيد يحتسي الشاي، دق قلبها من فرط السعادة

والحرقة وبخطى تابثة توجهت صوبه وألقت عليه التحية ثم جلست فأصيبت بالخرس

الى ان جف لسانها في حلقها، فبدأ الحديث بعد انتظار مخاطبا إياها ... إن بعدك جعل الجدار

الفاصل بيننا عال وسميك، وبصبر وهدوء ردت بالفعل أصبح أعلى وأسمك مما توقعت ،

و الأسرية و بسبب المعاناة التي فرضتها علي، إنه الضياع بكل معانيه النفسية والانسانية

الثقافية والاجتماعية و الأخلاقية.هل لا زلت تذكر تسلطك وقسوتك؟ هل تتذكر يوم رميتني

خارج بيت الزوجية دون سبب وأذيتني بالضرب والالفاظ النابية أمام مرآى ومسمع الجيران

كان جوابه أنه لازال يتذكر الحادث بتفاصيله الصغيرة وانه نذم ويسعى وراء العفو والصفح،

لكنها انفجرت من جديد في وجهه... تقاسمنا لأكثر من عقدين ونيف حياة ليست بالعادية بلغت

فيها معاناتي اوجها وكنت دائما أصفح وأنسى حتى وان كان النسيان يضيع ما بقي في القلوب

ارتبطنا لم يكن عمرى أنذاك يبلغ الثامنة عشرة ربيعا، من نبض و يقتل كل شيئ... عندما

الخالد في الثقة والانسانية والعطف و إعتبرتك كل شئ في حياتي تصورتك دائما النموذج

الأخلاق، إنهمرت الدموع من عينيها علها تغسل جزءا من تلك المعاناة، لكن اليوم أعتبرك

مجرد إنسان مريض مجرد من العواطف، متسلط وقاس في معاملتك وسلوكك وهذا يتناقض

مع عطف وحنان الأزواج على زوجاتهم وحتى يكون ما أقصده واضحا فأنا لم أكن أبدا ضد

العتاب اذا اقتضت الضرورة دون افراط يدمر النفسية ويقضي على الشخصية فيتحول الى

مرارة لا تعادلها مرارة لكن قد تجعلنا نتعود على البعاد سلبية كما حصل ، وأن فقدان الشريك

مجرد فراق موسوم بالألم والحرقة و حتى تذبل أوراقالعشرة بغثة من دون ان نشعر ويبقى

الجراح متساويين في ثقافتنا الذاتية. تصرفاتك الطائشة قضت على كل شيء جميل وكانت سببا

مباشرا في إنهاء علاقتنا.

بدت على عينيه نظرات قاتمة انعكست على ملامح وجهه حتى انقبضت وأخذ يترقب بجميع حواسه

أن شيئ ما حدث ... إنه الإدراك الذي جعل العبء على كاهله كبير ... فردها المتزن صدمه

... طرق رأسه وصمت طويلا ثم همس في ضيق: إن جوابك وندم على شموخ أنفه في ترفع...

هذا لأعظم دليل على أن الهوة التي فصلتنا تضاعفت ولمست جليا الحواجز التي اعترضت طريقنا

وفرقت بيننا للأبد.

علت عينيها نظرات تنطق بالحنان حتى خفق قلبها وهي تودعه... شدت على يده بقوة وإنصرفت لحالها

علت عينيها نظرات تنطق بالحنان حتى خفق قلبها وهي تودعه... شدت على يده بقوة وإنصرفت لحالها.

29‏/07‏/2010

رب شر ينتج عنه خيرا



اليوم بالذات ليس كسائر الأيام لأنها جلست تفكر طويلا في ظلم وإهانة وجبروته.
اليوم بالذات شعرت بغضب جعل الأرض تترنح تحت قدميها كما نال منها حتى اهتز فؤادها.
اليوم بالذات لن تنكر انه دلها على مكمن قسوته التي هي اصلب من الصخر وأعث من الأمواج الغاضبة.

جلست في قلق وتفرست في الجدران لعلها ترسى باب الخلاص أو أي منفذ تهرب منه، وتتركه يتحمل
لوحده شر أعماله بل يتحمل وزر أكبر البلاء وأشق العناء خصوصا حين أنكر النعيم وباع الهناء
وأبخس الأثمان ، وبينما هي في ذلك أجفلت عيناها ونظرت صوب باب وتوقعت الخلاص فتحقق حدسها.

لكن اليوم بالذات لن يكون كسائر الأيام، لأنها استقضت مبكرا ولم تؤثر عليها الأحداث المؤلمة
، فراقبت كعادتها حركة الطيور بشتى ألوانها وأنواعها، و هي تطير بحرية ، ظافرة بالسعادة
فتمنت أن تتعلم منهم الطيران حتى تحلق بعيدا، فتخيلت أنها صعدت إلى سلة كبيرة وفجأة
تصاعد منها اللهب وانفتح كيس هائل ثم ارتفع وطار بعيدا، كيس لا عهد لها به ولم ترى جماله
عيناها من قبل، لا يعترف بأي نظام ولا منهج ، رأت كل شيء صغيرا عن حجمه، الأشجار ، الهضاب،
السهول والجبال، الوديان والبقر والأغنام ، المشاكل والآلام، رأت القلق والتوتر أصغر بكثير مما
كانت تعاني منه، لكن فجأة انقبض صدرها حين فكرت أنها لن تلتقي بل فقدت للأبد الأحبة
والأصدقاء كغصن قطع من شجرته أو غريب في بلد غير بلده.

تذكرت والدتها وتلهفها عليها، تذكرت إخوتها وصديقاتها، تذكرت مرارة قسوة زوجها ،
فتضرعت للمولى عز وجل أن يعيدها لأهلها وأحبتها، لكن دعاؤها لم يستجاب وتألمت كثيرا
وبكت بحرقة حتى شاخت وشاب شعرها فلم يبقى أمامها إلا أن تتحمل على مضض ما هي فيه
وتتلوا ما تيسر من القرآن الكريم تكثر من الدعاء.

اليوم بالذات لن يكون كسائر الأيام بالنسبة لفاطمة فلا عجب إن وجدتم نفوسا كسيرة
وأرواحا حية ميتة، مهمهت بهذا وهي تفرك عيناها لئلا تكون في حلم، فتحققت أنها في
يقظة فانتفضت من طبيعة السر الكامن وراء الغرائب المدهشة ورددت

" رب شر ينتج عنه خيرا".



10‏/07‏/2010

الوهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم



حلت زينب رفقة زوجها ضيفة على مدينة أكادير المغربية لقضاء شهر العسل ، فانبهرت

بجمالها ونقاء أزقتها وقاطنتها الذي يبدو على وجوه جلهم الترف والسعادة والمرح ولا شك

أن هذا كان كاف ليكون في ذهنها مظهر من مظاهر النجاح في العمل الذي يكفل الازدهار في

الحياة اليومية وهي التي تنحدر من عائلة عريقة في امتهان التجارة فصممت أن تقيم مشروع

تجارتها بتلك المدينة دون استشارة اقرب المقربين إليها لأن رؤيتها الصائبة للأمور كونت في

أعماقها قناعة بأن مشروعها سيكون مربحا خصوصا في تلك البقعة الزاخرة بجمالها وسكانها

فراودتها أحلام الطموح إلى المعالي والارتقاء في معارج الثراء الفاحش.



كانت زينب حديثة الزواج وكان رفيق عمرها اصغر منها سنا وآية في الحسن والجمال، فشغفت

به شغفا يفوق الوصف من أول نظرة وما أبطأت حتى اقترنت به وهي لا تعرف عن ماضيه إلا شيئا

يسيرا، لكن حبها له جعلها تقفز عن كل الجزئيات ، فقررت النضال بل أعدت كل شيء يمكنها العيش

معه في سعادة وثراء، وبالفعل لم يخب ظنها لأعوام وكان التوفيق حليفها لأنها حين اتخذت قرار

إقامة مشروعها كانت نستند على دراية كافية وإلمام كبير استطاعت أن تحمي بهما تجارتها أثناء

الزوابع الاقتصادية ولم تسقط أمام العوائق التي صادفتها في طريقها ، لكن ذلك التوفيق لم يكن

كاملا لأن الفشل اخترق وترك بصمته في علاقتها الزوجية .



مع مرور الأيام أصبح زوجها هاجسا ثقيلا، شتت أفكارها ودمر طموحها ، لدرجة أنها كانت

جل لياليها تخلو بنفسها وهي تنتظر قدومه فتعيد كلماته التي خدشت كرامتها وأضرمت في

قلبها نار الغيظ وتجاوزت كل الخطوط الحمراء سيما حين اكتشفت إقدامه على اقتراف

جريمة النصب والاحتيال في حق مالها، فأصابها انقباض عارم وغضب متفجر ومرارة في

النفس حولت شغفها به إلى كره لأن خيانته ضمت بين ثناياها جرعة عنيفة من خذلان لا يمكن

مقاومته।





كانت زينب مطبوعة بقلة الكلام مع أنها حادة الشعور وسريعة الإحساس ولهذا كظمت غيظها

وترنحت متماسكة متحملة لمرات عدة أفعاله اللامسؤولة بصبر وثبات نادر المثال،

لأنها كانت تعشقه وكانت لا ترى سببا لتعقيد الأمور ولا ترى أيضا في تهوره مثقال ذرة تدعي

لخلخلة علاقة الحب والود التي تربطها به ولا تدعي حتى للندم أو للأسف على اختيارها،

إذ كانت تعاتبه أحيانا وتعاقبه بمقاطعته لكنها قلما تتب على عزمها هذا أكثر من يوم واحد

لأنها كانتتعتقد أنها تحيى لأجله فكانت دوما تجد له الأعذار والأسباب لاغتفار أخطائه

ومسامحته.



كانت زينب كلما أطالت التأمل في علاقتها وارتباطها بإدريس ازدادت استصوبا وعقلانية محاولة

تخطي إخفاقها بسبب العثرات التي تراكمت في طريقها، لكن تلك الليلة بالذات صممت على

مواجهته والاعتراف له بخداعه المدنس، ولأنها تؤمن بان الخسارة مهما عظمت أيسر وارحم

من أن تعرض مالها للضياع وكرامتها للعار الغدر.



تجاوزت عقارب الساعة الرابعة صباحا حين تشرف بمقدمه وهو في حالة يرثى لها كعادته

مؤخرا ، صرخ في وجهها كي لا يبرر موقفه ذلك والذي لا يحسد عليه فانهال على مسمعها

بمفردات وجمل لم تكن لها معنى ولم تفهم معناها تلك اللحظة، فاستجمعت شجاعتها ولو أنها

شجاعة في أمور أكثر من ذلك أهمية وخطورة وحسمت القضية وأنهت الأمر فاختارت لنفسها

ما رأته مناسبا وفق ما اشتهى قلبها المندمل بالآهات والجراح فقاومت شعورها وأصرت على

عزة نفسها وطهارة سيرتها فكانت صارمة في قرارها خصوصا حين أدركت أن عشقها لذلك

الحقير المرتدي جلد الأسد المغوار لم يكن سوى خدعة انساقت وراءها فجعلتها حقيقة بقوة

الوهم..



28/6/2010

05‏/01‏/2010

اللكمة الصائبة تنتزع الاحترام



كانت ترجو من وراء زواجها خيرا كثيرا لنفسها وكبيرا لعائلتها على السواء، فرضيت بحظها بقلب مطمئن وتقاسما عبئ الحياة بحلوها ومرها، وتجاذبا الحب والأمل، الكفاح والصبر إلا أن ظهر في حياتهما قريب ثقيل كان يقطن نفس العمارة التي كانت تسكنها رفقة والدتها وأخواتها الأربعة، سمعته فجأة يخوض في أمور تخصها بل تمسها ولو انه كلام لا يحط من كرامتها إلا انه مستفز ومقصود به الإساءة لشخصها خصوصا أمام مسمع زوجها وطفليها، شعرت لطيفة بمطرقة ثقيلة من ماضيها البائس لا زالت معلقة فوق رأسها تتحين الفرصة لتهددها في كل حين.

طوت صدرها على القهر والظلم واليأس ، دق قلبها بعنف وشعرت بقوة جعلتها تكلم نفسها بصمت، فاختفت بصمت كذلك صوب المطبخ لا شك غير عابثة إذ لم تعد ساعات الدرس بعد هذا الحدث تسمح بالهروب. فتضرج وجهها بحمرة الغضب والانتقام ثم تمالكت نفسها وقالت هذا كثير لم يكن الفقر عيبا ولا العمل كيفما كان نوعه حراما أو جريمة، فعبست في ضيق واعدت الشاي الذي قدمته للضيف ومن معه محاولة أن تقطع حديثه الممل، لكن الذي ضاعف الغضب برأسها هو عدم مبالاته بتواجدها فقذفته من جديد بالدليل القاطع ورددت إن الفقر والعمل لم يكن ولن يكن عيبا بل العيب الحقير هو التشنيع على الناس وفي عقر دارهم، قالتها بغضب أفرغت معه بخار جوارحها الملكومة وشعرت برغبة متفجرة لضربه على فمه بقوة عسى أن يصمت.
ترددت كثيرا وبداخلها هواتف تهيب بها إلى التراجع عن رغبتها لأنه مهما كان فهو قريب زوجها وضيف العائلة، لكن سلوكه وسخافة حديثه استفزاها بقوة. لاذت بالصمت وانزوت من جديد قريبة من المكان ،راقبته اختلاسا وهي تتساءل ترى ماذا سيمحى ألمها العميق ونكدها المتغلغل، فلم تجد وسيلة لتأديبه خيرا من الضرب لعله يصلح ما أفسده زوجها بتدليله ولم يكن ابغض لنفسها أن يشد أحد عن حدوده ولو كان زوجها أو احد أبنائها ، رعنت لرغبتها وتحركت صوبه بشجاعة لم تعهدها من قبل ووجهت له لكمات متتالية كالصاروخ على وجهه بل ركزت خصوصا على فمه ولم تتوقف حتى رأت أسنانه تتهاوى بين يديه .
لم يجد في الوقت متسعا للدفاع عن نفسه بل وقف متسمرا تحت صدمة المفاجأة وتبث عيناه عليها وحملق جيدا في وجهها بدهشة، إذ انه كان يتوقع أي شيء إلا هذا ، فأحس بانهيار في كرامته ورجولته ثم استسلم لنبرات صمت مطبق.
ألقت عليه نظرة لم يخف عنه معناها ، فبدت مسرورة لأنها استمدت قوتها من خوفها وصممت الخروج من ورطتها بكرامة ، فتمالكت نفسها وقالت له مبتسمة و في لطف، إن اللكمات القوية تنتزع الحق انتزاعا وتفرض الاحترام فرضا والحمد لله أنني قدرت على هذا.
تصدع صدر الضيف من مرارة ألم الاحتقار وأحس بالخزي والعار بسبب تصرفه الصبياني اللامسؤول وأدرك أن عليه تقديم الاعتذار، لها وللحضن الذي احتواه فقال... رغم ما صدر منك طريقة تأديبية لا أرضاها تقبلي سيدتي المحترمة خالص عذري ويعز على أن أودع كنف هذا البيت الدافئ الذي حواني واحتضنني وأكرمني... وتقبلوا وداعي الأخير بسبب تهوري وسوء تصرفي وأكيد لن أنعم أبدا بغد خير من اليوم.

24‏/12‏/2009

سعيدة بك...


ألقت زهرة بظهرها النحيف على الكرسي وعينيها تتفحص كومة الأوراق المبعثرة فوق مكتبها، وقد تناثر منها الألم والأسى، الظلم وجراح الدماء في زمن فقدت فيه معاني الأمن والحقوق والحريات ، في زمن أباح كل المحرمات حتى أبكت الطيور فوق أغصانها وحركت الصخر من مكانه ليرثي أمجاد أمة ضاع في سكون ظلام بهيم وغياهب فج عميق.


هزت زهرة رأسها بقوة عسى أن تطرد تلك الأشباح المرعبة من مخيلتها، لكن سرعان ما وجدت نفسها تسبح في تلك الذكريات رغم أنفها، فأغمضت عيناها لتخفي دموع حسرة انهمرت فجأة على وجنتيها كضربات رعد صاعق فجر معه حمم زلزال غاضب جرفت معها جزء كبيرمن آلامها النفسية الدفينة . فمدت يديها لتلك الكومة وقلبت بعض الأوراق فوقع نظرها على مسودة لائحة طويلة كانت قد أعدتها لبحث أنجزته سابقا، فقرأها بغير اهتمام إلى أن وقع نظرها على حدث جعلها تهتم بفحواها وتحاور ضميرها المتوجع من هول ذلك الكم الهائل من بؤر النزاع في العالم خصوصا العربي وما ترك وراءه من كوارث و حروب و دمار وفساد وطفولة بريئة تكابد المشاق، ونساء تئن تحت قسوة الظلم وشح الموارد، بل ترك وراءه جماهير مستضعفة ترزح تحت استبداد حكام فاشلين وقد رضوا أن يبقوا تحت أثقال الاستبداد إلى ما شاء الله .


أي أمل تبقى في هذه الحياة التي نشرت ظلها الأسود فوق الجهات، فوق كل المنارات حتى قبل وصول فصل الخريف ، ويا للعجب لقد كشفنا عن طواعية عورات عروبتنا، بأفعالنا وسوء إرادتنا وإدارتنا لموارد دولنا الكثيرة والغنية بمعناها الواسع لدرجة أننا كسرنا مرآتنا الجميلة والتي عكست بدورها أبهى وأزهى صور تلك العروبة أمام العالم.


فالصمت عن الظلم يجيز انتهاك الحرمات والمحرمات وقد يكون سببا كافيا لوقوفنا على أنقاض حقوق كرامة عربية مهجورة بيعت في المزاد العلني ودفع العرب ثمنها بعملة موحدة وهو ذلك الصمت المخزي والتبعية المرعبة، صمت نقش صفحات التاريخ بمداد التقزز والغضب والخذلان . فلا جدوى بعد اليوم من نشد الدليل مادامت الأمم غير قادرة للوقوف رجلا واحدا أمام الزوابع في إبانها بل استسلمت لوضعها ورضت به و لم يعد للعروبة ذرة تلتهب بنار الغضب في ثورة جنونية لكرامتها ولعل ما خفي من هذا أدهى وأفظع.


أطلقت زهرة ضحكة مبحوحة وهي تحاور ضميرها المتوجع، كيف ستتخلى عن ذكريات رغم فساوتها؟ اجل تعلقت بها كما يتعلق الرضيع بثدي أمه لأنها تعرفها حق المعرفة وهي التي ذاقت عذاب مخاضها الذي أبهج صدرها واسعد قلبها والتي أدمنت الركوض صوبه كلما شعرت برغبة في الانزواء والبوح وقد تكون قد استوفت حظها منه قبل أن يدركها فضاء تتحرك فيه الأحداث مصحوبة بمراحل لها شروط حسب ظروف تفرض خطوطا حمراء لا يجوز تجاوزها وان حصل العكس أصبح الفرد عاجزا لا يتوفر على أدنى ضمانة تجعل مستقبله آمنا أو على الأقل واضحا.


اعتدلت زهرة في جلستها من جديد ارتجف صوتها فأخرجت تنهيده انفجرت من صدرها وانطلق ما فيها وهي تشعر بأنفاسها تتردد في ثقل وصعوبة فغالبت إرادتها وصرخ لسانها مهما حصل لن ترضى بان تكون نهاية ذكرياتها مثلما كان يسوق المصريين أجمل فتياتهم لتزف عروسا للنيل كي يهبوا الخبز والخصب، لن يعتريها القلق على مصير أوراقها بعد اليوم لأنها مهما سعت لن تجد مكانا يحتويها مع وحدتها خصوصا ساعات انفرادها إلا أن تتفحص و تتذكر وتتألم وتسعد بين أحضان أوراقها المبعثرة .


شكرت الله على اتخاذها ذلك القرار الصائب الذي اهتدت إليه بعد عناء ذهني كبير خلصها بدوره من حمل ثقيل تزحزح عن عاتقها وهوى بعيدا دون رجعة.

14‏/10‏/2009

جبروت زوج مستبد






رغم تحررها الفكري الذي امتازت به، إذ كان لها إيمانا راسخا لا يمكن زحزحته ، فشريك حياتها كان في بادئ مسيرتهما من أكبر الأدلة على ذلك، فعشقها له جعلها تقاسمه حظه خيرا كان أم شرا وجعلها تقفز عن جل المتاعب وآهات العقبات حتى قطعت مسيرات و أشواط طوال وهي بنفس مطمئنة وما تحمل بين جوانحها من أمل لا ينقطع سيله.

لقد استبشرت آنذاك بطموح وصبر المحب الولهان أنها سترضي كبريائه وتغلب جبروته وبذلك ستحقق له السعادة ومهما كلفها ذلك من أجل تغيير طباعه وسلوكه الغير اللائقين…إلى أن استيقظت ذات يوم وبعد مرور عقدين ونصف من زواجهما على هزيمة نكراء تتجلى في إخفاقها تحقيق هدفها والذي لن تستطع مهما ضحت تبديل طباعه، لان قسوته المهولة فتحت في رأسها فوهة بركان ثائر هب منه إعصار من الحمم قلب كل شيء .

وهي في حالة تفكير،مرت خواطر عدة في مخيلتها وهي مسندة ظهرها إلى الحائط مستغرقة في لجج الأفكار المتعاقبة، شعرت لأول مرة في مسيرتها الزوجية بشيء خطير وقع … جعل قلبها يطمئن وذهنها ينعم بالراحة الشاملة خصوصا وأن الدهر والأحداث عجنتها لدرجة جعلتها تؤمن بقرارها دون خوف أو تردد فآمنت بقرارها وما يحويه من كلام والذي تلخص في كلمة واحدة… ما أقسى معانيها ووقعها.

تلألأ الدمع في عينيها وتداركت نفسها بالكلام ، أجفلت تارة وتجلدت أخرى فمهمهت قائلة بابتسامة وديعة فيها اثر النصر والانتصار، لن أغير اعتقادي فقلبي دلني صح هذه المرة ثم صاحت بصوت كالرعد ( ما بالكم؟ ماذا جرى؟ ) كانت صرختها كالرعد المزمجر … صرخة انتفاضة دوت من أعماقها ، فأعادت لها حكمتها وسعة صدرها وانصرفت بسلام فترجلت ومشت صوب طريقها المنشود مشية الأسد الظافر وحي تشعر بقوة وبسالة وتعقل وجزم لم تحس بمثله من قبل.

كانت آخر كلماتها وهي تفرك يديها حسرة وأسفا …حين ترعد لحظة اتخاذ القرار الحاسم لن أعاملك بعملك الذي أوقعك في ورطة لا نجاة لك منها هذه المرة بسبب جبروتك الذي كان ولازال منبع الشرور الذي انتابنا من كل النواحي ولم يعد يعجبنا العجب .



13‏/09‏/2009

الواجب يحتم التفاني



ترعرعت زهرة في كنف عائلة فقيرة، حيث انقطعت عن الدراسة وهي في السنة الثالثة ابتدائي، تلك

الفتاة بقامتها الطويلة المائلة إلى النحافة ووجهها الأبيض وعيناها العسليتين الضيقتين وشعرها الطويل

ملت من إعداد الطعام لإخوتها وأمها العجوز العاجزة والاعتناء بكل فرد من عائلتها الصغيرة.


لم تستطع زهرة أن تحيى الحياة التي رسمتها في مخيلتها والتي تروق لها وتتمناها بشغف إذ أصبحت

تشعر بالكآبة والحزن يعتريانها جراء ظروف أقوى من القوة، و عوز اكبر من الظلم حالتين كفيلتين

بتدمير آمالها مثلما طحنت أحلام شريحة كبرى من أناس أمثالها والتهمت طموحهم رغم قتالهم

ومقاومتهم من أجل الصمود أمام وجه هذه الطامة الكبرى.


بعد استراحة هدوء و تفكير وجدت عزائها الوحيد في أسرتها المتماسكة ، وفي أفرادها جمعاء الذين

يجودون بأكثر ما يقدرون عليه وعن طيب خاطر رغم البؤس و الألم الذي يكلف التضحية في النفوس

ولو أنه ليس منالا يسيرا .

ذات مساء أحست بطعنة تصيب فؤادها فصرخت في هياج وانفعال وتمنت لو أنها أكملت دراستها

كأمثالها من الفتيات خصوصا حين وصل إلى مسمعها التحاق أختها الصغرى بوظيفة ولمست فرحة

العائلة وسرورها ، توجع قلبها وشابتها مرارة الخيبة وتنهدت في ضيق وقنوط وتعجبت للقدر ولحظها

الذي أبى أن يمنحها الفرحة بل زود حصتها وخلق لها المتاعب الذي علمها الدهر من الصبر ألوانا .


وبعد خلوة قصيرة، عادت زهرة إلى مكانها وسط إخوتها وأمها محاولة رسم ابتسامة على شفتيها

الجافتين اثر الحالة التي أصابتها والألم الذي الم بها وبلغ ذروته ، فخاطبت أختها سعاد

المدللة بصوت متحشرج قائلة أنها ترى الواجب غالبا ما يحتم التفاني وقد جاء دورها لتقدم شيئا

لهذا فهي مطالبة بالإخلاص و العطاء في وظيفتها حتى لا تفلت منها الفرصة وقد تكون إلى الأبد،

تقدمت بخطى ثابتة صوب سعاد وعانقتها بإشفاق وحب وحنان، أجل يا صغيرتي من الآن سوف

تقاسمينا نفس التضحية رغم الظروف ، لهذا لا تنسي انه ليس ثمة حاجة إلى تنبيهك لكن أحب أن

يكون كلامي تذكير لأننا سنظل في أمس الحاجة لرعايتك وعطفك.

12‏/09‏/2008

الشك أداة الجريمة



ظن بها الظنون بعد زواج دام عقد من الزمن،اعتقد يقينا أنها انكرته وجحدته فنسي
طعم الراحة وبدأ يبحث وينقب، اعتقد أن زوجته منشغلة عنه بأمور غامضة وغيابها
الدائم في العمل واضح بين لا يعوز الدليل। فهذه الزوجة المتحجرة الفؤاد أهملت
أمره بين مطالب الحياة الصعبة،وأحس انه غير مرغوب فيه مادام عاطلا عن العمل
ولم يعد يصلح لشيء ففكر في كل شيء الا في نزاهتها وجديتها وتفانيها في الكد من
اجل لقمة العيش، لم يخطر في باله أنها تتعب من أجله ومن أجل راحة أطفالهم
ومسؤولياتهم التي لا تتوقف ومن اجل مطالب الحياة ومستلزماتها .

لم يكن هناك شيء بعيد عن مخيلته وتفكيره إلا هذا لم يكن يمقت شيئا أكثر من مقته
للحظة عودتها من الخارج منهكة ।بالكاد تلقي التحية على الجميع فتتولى على الفور
مسؤولية الأعمال المنزلية من تنظيف وطبخ وغسيل الخ ورغم كل هذا العناء لم يزد
قلبه إلا تحجرا حتى افقده كل خلجة حب أو رأفة بهذا الإنسان الضعيف التي تسمى أم
عياله وتقاسمه الحلو والمر।

ذات يوم تسلل إلى غرفة النوم مستخفيا حتى لا يشعر الأطفال بمقدمه وقد افلح بامتياز
في ذلك بل اطمأن قلبه إلى أن العيون سهت عنه والآذان لم تسمع خفق حذائه الرياضي،
جلس وعقله شاردا وفؤاده حيث الانفعال والمهيج ، ثارت شجونه وفكر في الجريمة ولم
يشعر بذرة من الخوف أو التردد لأنه لم يتسنى له التفكير فيما هو قادم على فعله.

عادت الزوجة من العمل مرهقة كالعادة مباشرة على غرفة النوم لتغيير ملابسها والالتحاق
من جديد بالمطبخ فمزق الفضاء صوتها وبأسرع من ومضة البرق طعنها عدة طعناة في
جسدها فخار ما تبقى من قواها وسقطت على الأرض متدحرجة في الدماء جثة بلا حركة
ولا روح ، أما هو فشعر بالهدوء والراحة رغم علامات الندم والاشمئزاز التي بدت واضحة
على تقاطيع وجهه।

برقت عيناه على ارتفاع صراخ الأطفال وإذا به يقهقه ضاحكا حتى بدت نواجذه وتارة أخرى
اذرف من عينيه الدمع الهون وزفراته لم تنقطع ، أساريره فضحت بطشه وجبروته ، نظر
لوجهها الوقور وهي ملقاة على الأرض جثة هامدة ، ووجهها ينم بالاحترام واللطف ،
أجل تفحص عينيها الكبيرتين قد تكون لأول وآخر مرة والتي أزهق بصر هما وألم الحياة
واضح فيهما ، نظر إلى تلك التقاطيع جيدا والتي تحمل آثار جرح الحياة وقسوتها قرب وجهه
من وجهها البريء الهادئ الساكن من كل حركة واستسلى بصوت صاخب حتى تصاعد الدم
إلى محياه ، أحتقر نفسي لأنني وحش ضاري افترست بكل بساطة ضحيتي الضعيفة، أعماني
الغضب فاستمدت من ضعفي القوة ومن التخاذل الجرأة।

تفحص أولاده الثلاثة بخجل .... بالله عليكم أنت يا علاء ويا عليا ويا فاطمة ارحموا شقائي،
أشفقوا من حالي فالشك ذهب بلبي ، سحق قلبي وأضناني ، حتى فكرت في الجريمة و في
لمحة بصر أما اللحظة اشعر بالحزن وقلبي يخفق خفقات الشجن وصدري يتمزق من الأسى ،
أجل احتقر نفسي لتصرفي الشائن و الغير مسؤول.
اهتزت يداه وتقلصت عضلاته،شحب وجهه وغامت عيناه حتى أصبح منظره يستدر الشفقة
والرثاء، لحظة قدوم رجال الأمن للقبض عليه ارتعش وارتعد وزاغت عيناه لآخر مرة على
جثة زوجته فوجدها تتنحب كما لا يتنحب حيا، دقائق هائلة صرخ فيها يا للقدر ويا للحكمة
الربانية يا لتهكم الحياة ويا لسخرية الدنيا... أرقدي يا رقية رقدة الراحة واهجعي هجعة
الهناء بعد العناء الطويل، مثواك الجنة وستظلين سري الدفين وكنزي الثمين الذي
لم أكتشفه قبل الآن।

30‏/03‏/2008

نصيحة أم ترهيب مستتر


ملت من الانتظار وهي غارقة في جملة من ا لهواجس... والارتباك ظاهر على محياها، نهضت مفزوعة من مكانها مباشرة إلى الشرفة لتعرف من الطارق، وإذا بسيارة الشرطة متوقفة أمام المدخل الرئيسي لإقامتها و احد الضباط يده على زر الجرس وبمجرد ما أن جاء نظره عليها حتى أمرها بمرافقته...استغربت من لهجة كلامه لكنها كانت تتوقع حضورهم في أي لحظة।


تجلدت وتشجعت رغم المخاوف التي تراكمت في ذهنها،و امتثلت للأمر ورافقتهم ... بينما هي غارقة في التأمل أمرها الضابط بالنزول من سيارة الشرطة، أجفلت وسارت بخطى ثابتة نحو المدخل الرئيسي لمصلحة أمن الدولة।


اضطربت جوارحها حتى كاد الدم يتجمد في عروقها لكن بمجرد ما إن وصلت إلى مكتب رئيس المصلحة المختصة حيث رأته مسترخيا على كرسيه الفخم فانتابها شعور غريب وقد تكون استأنست به وارتاحت لمحياه، فألقت التحية وردها بدوره وقبل أن يأمرها بالجلوس اعتدل في مكانه قائلا لن أخفيك سبب إحضارك إلى هنا... بل الأكثر من هذا أرغب أن أوضح لك الأمور وأنت من يقرر اختيار الصواب والطريق الأصلح ، خصوصا أنت الأعقل ।


- تفضل سيدي بكل فرح
س- ما تقومين به من انحراف سياسي خصوصا انضمامك لتك المنظمات... يسبب استفزازا بل أضرارا فادحة لأمن الوطن واستقراره.
ج- لم أفهم سيدي ... عن أي أضرار تتكلم
س- اقصد ألاعيبك القذرة التي تتجلى في مشاركتك في تلك الاحتجاجات والمظاهرات والمسيرات التي تأجج الوضع وتشحن العقول وتنشر تمرد الأغبياء.
ج- قبل ذي بدأ هل تأذن لي سيدي أن أعبر وأوضح الأمر بكل حرية وفي الأخير لك ما تريد ؟
س- تفضلي، أفصحي عما في جعبتك
ج- لولا معرفتي العميقة وتمحيصي الدقيق في خبايا الأمور لما اقتنعت بانضمامي لتك الجمعيات أو المنظمات كما أسميتها المحبة للسلام والتي يميزها عملها النافع للوطن والآخرين، وحين قررت الالتحاق بركبها لم أجد فيها أي ضرر بل فيها النفع الكبير ولن أتراجع عن قراري لأنني أرى أن موضع الخلل يكمن في هيكلة مؤسسات الدولة وسوء الإدارة لهذا يتوجب البحث عن الدواء الفعال من اجل العلاج وتلك الاحتجاجات أول الخطوات نحو علاج الداء.
س- قد لا أنكر ذلك... لكن أصحاب القرار غاضبون من أعمالكم الغير مسؤولة وما تنتجه من ضغط وإرهاب وشعارات متطرفة وطائشة وأفعال مخزية.
ج- بدوري لا أشك في ذلك سيدي ... وهو المطلب الذي أسعى جادة إليه .
س- هب واقفا من مكانه، منشغلا بإشعال سيجارة، قائلا أن هنا يكمن وجه الغلط والخطأ معا، قد نتفق أحيانا على تشخيص الداء ونختلف في وصف العلاج.
ج- أستبعد سيدي أن يكون بيننا اختلاف في وصف العلاج ... فإذا كانت أوضاع الوطن مختلة فذلك راجع للسياسة الراهنة والسعي وراء التغيير ثم الإصلاح هو الدواء والعلاج الفعال.
س- اقترب منها وتفحص وجهها جيدا بعينيه الجاحدتين وعلامات الامتعاض واضحة على وجهه ، قائلا ما أغباك يا مجنونة... الصراع أكبر مني ومنك بكثير، ومطلبك هذا أشبه بالخيال ... وهل تظنين أننا مستعدون لذلك؟؟؟؟
ج- ما دمنا قررنا العزم سنحاول مرة... مرتين أو حتى مليون مرة ونحن مؤمنين بعدم الإضرار بأحد.
س- أود من صميم قلبي أن تكونوا مستعدين للتغيير، وأن لا ينقلب السحر على الساحر ويزج بكم في الهلاك والخراب وتؤول الأوضاع إلى الاعوجاج المزمن الذي يؤدي حتما إلى الانقسام والفتن والاقتتال وزيادة أحقاد الطامعين .
ج- سيدي ... حتى الحيوانات الضارية لا تؤدي بعضها إلا إذا جاعت، قد تتقاتل على الفريسة فإذا شبعت تآلفت وتكاثفت، عكس الإنسان إذا شبع زاد طمعا وجشعا فيستعبد الملايين و ما أن يتمكن من سدة الحكم يترك جماهيره تموت من الجوع والاضطهاد والحرمان والظلم والحسرة على سوء الاختيار ... إذا أي حكم استبدادي من هذا النوع إذا تولاه رجال مقتدرين عادلين يكون أسهل وأسرع طريق للإصلاح... والمواطنون هم الأشد غيرة على خيرات الوطن وسلامة البلاد لأن سلامته هي أمنهم وراحتهم ومستقبل نسلهم.
س- رد عليها محاولا رسم ابتسامة زائفة ... قائلا، بحكم وظيفتي قد أكون أعلم الناس بالحقائق... صدقيني ... أشكو من شدة الغضب من أفعالك اجل أشكو من تهورك واحتكاكك مع تلك الشرذمة المغرر بها ... كذلك اصطدامك المتكرر والمتعمد وسوء معاملاتك مع المسؤولين عن المصالح الحكومية، رغم أنني ألمس فيك اللحظة أكثر من ذي قبل إخلاص نضالك بل أنت واحدة من الملايين المخلصين لهذا البلد الأمين فتلك التيارات المتشددة والمتشبثة بالأفكار الغربية والغريبة عن مجتمعنا العربي والإسلامي التي ينميها ويدعمها الأعداء هم من لم يتركوا أمور البلاد بخير... بل هم مبعث المتاعب والمشاكل لهذا يوجد الاختلاف بيننا في تشخيص العلاج.
ج – إذا رؤية الفقر والقذارة، البؤس والمرض، الاضطهاد والاستبداد، الظلم والضرر والأخطار... لن ترثي قلوب أصحاب القرار ورجال السياسة الذين قست قلوبهم أصلا، فدفعوا بالملايين إلى تلك المجازر والمخاطر والأضرار... لكن لحظة يا سيدي... نحن نعيش عصر العولمة والحداثة والناس تعلموا بل أدركوا كيف يطالبون بحقوقهم ، وهذا الوقت بالذات هو وقت التغيير والإصلاح، اكثر من هذا هؤلاء الساسة هم من جعلوا آفاق مستقبل الجماهير المستضعفة اسود كالعتمة وأحمر بالدماء والفتن .... هم من انتزعوا الثقة بهم بل دمروها نهائيا وكليا.
س – بعد كل هذا ...لا زلت تتشبثين بعزمك مواصلة المسيرة؟ إذا سوف تتحملين لوحدك شق العناء وأكبر البلاء مادام عقلك أصلب من الصخر. وتأكدي انك مخطأة، بل تأملي جيدا الخطر الذي يهدد مستقبلك ومصالح وطنك... برجاء عودي إلى رشدك قبل فوات الأوان، فلازلت حتى اللحظة مخيرة ... فاختاري لنفسك ما يحلو وقد أعذر من أنذر.
ج – لا شيء يعجب المسؤولين الأمنيين ولا أصحاب القرار، قد تكمموا أفواهنا أكثر مما انتم فاعلون بنا رغم حسن نوايانا التي تتجسد علنا من خلال سعينا وراء التغيير والإصلاح... لكن هيهات أن تتحقق الرغبات لكلا الطرفين بسهولة.
س – إذا كنت ترين من حقك كيل التهم للوطن ولسدة الحكم ولجهازها الأمني وتتمادين في التخريب وتتحدين القوانين فالواجب الضروري على هذا الجهاز الذي يضحي براحته ويسهر على امن البلد أن يعاقبك ويطاردك بشتى الوسائل حتى تعودي ومن معك إلى الرشد والصواب.
ج – يا سيدي الفاضل نحن نسعى وراء الإصلاح من خلال لفت أنظار أصحاب القرار كي يعاد النظر في تلك القوانين التي استمرت بالوراثة والتي أكل عليها الدهر وشرب ولم تعد تعطي أكلها في القرن الواحد والعشرين وما تحقق من تقدم
أكررها قد أعذر من انذر .... تفضلي بالانصراف
ج- شكرا سيدي على سعة صدرك
س – آمل أن لا نلتقي قريبا في نفس المكان ... وقد يكون تشريفك مختلفا تماما.
ج – آمل ذلك لكنه أمر مستبعد جدااااا

غادرت المكان محملة برزمة من الأسئلة أثقلت ذهنها المتعب أهمها ما يلي .
- أية إهانة أكثر من هذه الجلسات الترهيبية التي يخضع لها كل من حاول رفع صوته؟؟؟
- أية إهانة أكثر من محاسبة المواطنين لمواقع خطواتهم رغم أن كل شيء عادي في وضع جد عادي وهو الغير عادي في نظر المسؤولين؟؟؟
- أية مهانة أكثر من خرق المسلسل الحقوقي والديمقراطي وانقلاب قانونيهما ضد المواطن الذين يعزز دوما التوافق السياسي ويحاول منح طابع الإصلاحات سلميا وسط ظرفية غير ملائمة ؟؟؟
أيها الجهاز الأمني خفف هنا قليلا من عقدة الوعظ والزجر
أيها الجهاز الأمني جفف دمعنا وارحم ضعفنا فوطنكم وطننا وأمنه أمننا
أيها الجهاز الأمني ارفع عنا قليلا حدة بطشك وقهرك
أيها الجهاز الأمني ارفع وصايتك عنا كي لا تسكن الإهانات المتعمدة قلوبنا
- أيها الجهاز الأمني أنت مطالب لتحقيق معايير حقوق المواطن من خلال بذل الجهود الجادة والنافعة التي تحضر العناصر الغائبة واتخاذ القرارات الفعالة التي تنصف الجماهير، فنحن في أمس الحاجة لكلمة واحدة وهي الوحدة في أقسى وأكمل معانيها والتي تتجلى في رفع الظلم والضرر.
20/2/2008